

إن الحروب اللعينة التي عصفت بالسودان خلال السنوات الماضية لم تترك قطاعا إلا وآلمته ولم تترك بيتا إلا وأحزنته ولكن أشد القطاعات تأثرا بتلك الحروب كان قطاع التعليم فالحرب لا تهدم الجدران فقط بل تهدم العقول وتقتل الأحلام في عيون الأطفال وتسرق المستقبل من أيدي التلاميذ وفي ولاية شمال كردفان تجلت هذه المأساة بكل تفاصيلها القاسية حيث تحولت مدارس عريقة إلى مراكز لإيواء النازحين واكتظت الفصول بأسر هاربة من جحيم الحرب في دارفور والخرطوم وضاعت الكتب المدرسية في طرق النزوح ونزح المعلمون أنفسهم وتركوا مدارسهم وانقطع آلاف الطلاب عن الدراسة لفترة طويلة وأغلقت مدارس القرى والفيافي البعيدة أبوابها لأن المعلم لم يعد يستطيع الوصول إليها بسبب انعدام الأمن والمواصلات وكاد جيل كامل أن يضيع وينضم إلى جيش الأمية والجهل والتطرف لولا أن قيض الله لهذه الولاية رجلا من طينة الكبار رجلا يحمل هم الوطن في قلبه ويحمل حب التعليم في دمه هو الأستاذ وليد محمد حسن حامد وزير التربية والتعليم بولاية شمال كردفان.
لقد تولى الأستاذ وليد الوزارة في أحلك الظروف وفي أصعب الأوقات حيث كانت التحديات أكبر من الإمكانيات وكانت الآمال شبه معدومة وكان الكثيرون يهربون من تحمل المسؤولية ويبحثون عن أماكن آمنة لكنه اختار أن يكون في المقدمة في قلب المعركة معركة استعادة التعليم وعودة المدارس وبناء الإنسان وهذه الشجاعة وحدها تستحق التقدير والثناء لأن من يتصدى للعمل العام في زمن الحرب هو رجل يعرف أن الكرسي ليس تشريفا بل تكليف وأن المنصب ليس مغنما بل مسؤولية أمام الله وأمام الشعب وأمام التاريخ وأن العمل في التعليم في زمن الحرب هو جهاد حقيقي لا يقل عن جهاد الجبهات.
إن ما قام به هذا الرجل لإعادة فتح المدارس بعد تعافي الولاية نسبيا يعتبر معجزة إدارية وتربوية بكل المقاييس فالرجل لم يجلس في مكتبه المكيف ينتظر التقارير بل نزل إلى الميدان بنفسه وطاف على جميع محليات الولاية من الأبيض وشيكان وأم روابة وبارا والرهد أبو دكنة وجبرة الشيخ وغرب بارا وأم دم حاج أحمد وزار المدارس المغلقة واحدة تلو الأخرى وجلس مع الإدارات الأهلية وأولياء الأمور والطلاب واستمع إلى شكواهم ووضع خطة عاجلة ومتكاملة لإعادة فتح المدارس.
لقد بدأت الخطة بجهد كبير لتفريغ المدارس من النازحين بالتنسيق مع مفوضية العون الإنساني وحكومة الولاية وتوفير مراكز إيواء بديلة تحفظ كرامة النازحين ثم انطلقت حملة كبرى لصيانة وتأهيل عدد كبير من المدارس المتضررة بتمويل من حكومة الولاية والجهد الشعبي ومساهمات الخيرين حيث تم ترميم الفصول المتصدعة وبناء الأسوار المنهارة وتوفير الإجلاس والمياه الصالحة للشرب والكهرباء والطاقة الشمسية ثم أطلقت الوزارة مبادرة العودة إلى المدرسة بالتعاون مع الإعلام والمجتمع المدني وتم حصر أعداد كبيرة من الطلاب المتسربين وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة وتوفير الزي المدرسي والكتاب لهم مجانا وكانت النتيجة أن شمال كردفان أصبحت من أوائل الولايات التي أعلنت بداية عام دراسي مستقر ومنتظم رغم الحرب بينما ولايات أخرى أكثر أمنا واستقرارا لم تستطع فعل ذلك وهذا إنجاز يحسب للأستاذ وليد وفريقه المخلص الذي عمل ليل نهار دون كلل أو ملل.
كما أن هذه الجهود لم تقتصر على المدن الرئيسية بل امتدت إلى القرى والفيافي والفرقان البعيدة التي عانت من الإهمال لسنوات طويلة فالرجل كان يؤمن بأن التعليم حق للجميع وليس حكرا على أبناء المدن وأن التلميذ في قرية نائية في غرب بارا يستحق نفس الاهتمام الذي يجده تلميذ في قلب مدينة الأبيض لذلك سير قوافل التعليم إلى تلك المناطق ووفر معلمين متطوعين وأرسل الكتب على ظهور العربات رغم صعوبة الطرق ووعورة المسالك وهذا الاهتمام بالريف هو ما يميز تجربته ويجعلها تجربة وطنية شاملة تستحق الإشادة والتعميم.
إن المتابع لحركة التعليم في القرى يجد أن هناك صحوة حقيقية حدثت بفضل هذا الرجل فقد تم افتتاح مدارس جديدة في مناطق لم تكن فيها مدارس من قبل وتم تثبيت معلمين في مناطق نائية رغم قسوة الظروف وتم توفير الداخليات للطلاب القادمين من البوادي البعيدة حتى لا ينقطعوا عن الدراسة كما تم الاهتمام بتعليم الرحل وتوفير مدارس متنقلة لهم وهذا يعكس فهما عميقا لطبيعة الولاية ولتحدياتها الجغرافية والاجتماعية.
أما عن دوره المتعاظم في الاهتمام بالمعلمين ومرتباتهم وتدريبهم فحدث ولا حرج فالرجل فهم المعادلة الذهبية التي فشل كثيرون في فهمها وهي أنه لا تعليم بدون معلم مكرم ومستقر ومدرب فالمعلم هو القلب النابض للعملية التعليمية وإذا توقف القلب مات الجسد كله لذلك جعل محور المعلم هو المحور الأول في كل خططه وعلى صعيد المرتبات بذل جهودا جبارة ومضنية مع السيد والي الولاية ووزارة المالية الولائية والاتحادية لصرف متأخرات المعلمين المتراكمة لفترة طويلة وصرف بدل اللبس وبدل الوجبة وطبيعة العمل وسعى بكل قوة لتطبيق الهيكل الراتبي الجديد وتحسين شروط الخدمة وكان دائما يقول في اجتماعاته كيف أطلب من معلم أن يبدع وهو لا يملك حق المواصلات وكيف أطلب منه أن يحضر مبكرا وهو يفكر في إيجار البيت وديون البقالة فكان هذا الفهم الإنساني العميق هو سر نجاحه.
وعلى صعيد التدريب والتأهيل أطلق الأستاذ وليد برنامجا تدريبيا واسعا يعتبر الأكبر في تاريخ الولاية حيث تم تدريب عدد مقدر من المعلمين والمعلمات على المناهج الجديدة وطرق التدريس الحديثة والتعليم الإلكتروني والدعم النفسي للطلاب المتأثرين بالحرب وذلك بالتعاون مع بخت الرضا وجامعة كردفان وكليات التربية المختلفة كما تم التركيز بشكل خاص على تدريب معلمي القرى والفيافي البعيدة الذين كانوا محرومين من التدريب لسنوات طويلة وتم تعيين عدد كبير من المعلمين الجدد معظمهم من أبناء المناطق النائية لضمان استقرارهم وعدم هجرتهم كما قام بتكريم المعلمين المثاليين والمتميزين وإعادة المفصولين تعسفا فعاد المعلم يشعر أن وزارته تحميه وأن وزيره يسنده فعاد إلى الفصل بحب وشغف وإخلاص وأصبح المعلم يأتي إلى المدرسة قبل الطابور بوقت كاف حبا في عمله لا خوفا من مديره.
كما اهتم بتوفير السكن للمعلمين الوافدين وخاصة المعلمات وتوفير الترحيل لهم وتوفير بيئة عمل آمنة ومحترمة تليق بمكانة المعلم ورسالته السامية فالمعلم الذي يشعر بالأمان والاستقرار سيعطي بلا حدود وسيبدع بلا قيود وهذا ما حدث بالفعل في مدارس شمال كردفان.
إن ما يميز الأستاذ وليد عن غيره من الوزراء الذين مروا على وزارة التربية هو علاقاته التربوية الراقية والإنسانية مع المعلمين فهو لا يتعامل بعقلية الوزير الذي يصدر الأوامر من برج عاجي بل يتعامل بعقلية المعلم والأب والأخ الكبير فمكتبه مفتوح لكل معلم صغير وكبير وهاتفه متاح لكل موجه وفراش ومدير ويرد على رسائل المعلمين في الواتساب بنفسه حتى ساعات متأخرة من الليل يزور المعلم المريض في المستشفى ويعزي المعلم الذي فقد قريبه ويحضر عقد زواج بنت المعلم ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم وهذه العلاقة الإنسانية الصادقة خلقت حالة من الولاء الوظيفي والانتماء المؤسسي لم تشهدها الوزارة من قبل فالمعلم أصبح يشعر أن الوزارة بيته وأن الوزير أخوه فانضبط في الحضور وأخلص في العطاء وتوقفت الإضرابات والاحتجاجات التي كانت تشل العام الدراسي في السابق وهذا هو السر الحقيقي وراء استقرار العام الدراسي في شمال كردفان رغم كل الظروف القاسية.
ولقد أسهمت هذه العلاقات الطيبة في خلق بيئة تعليمية صحية ومستقرة فعندما يحب المعلم وزيره فإنه يحب وزارته وعندما يحب وزارته فإنه يحب مدرسته وعندما يحب مدرسته فإنه سيعطي كل ما عنده من أجل طلابه وهذا ما حدث بالفعل فارتفعت نسبة الحضور بين المعلمين بشكل غير مسبوق وانخفضت نسبة الغياب وتحسنت نتائج الطلاب في الامتحانات وأصبحت المدارس تعج بالنشاط والفعاليات الثقافية والرياضية وأصبح الطالب يحب مدرسته لأن معلمه يحبها.
ومن حكمته أيضا أنه لم يغلق الباب أمام المنظمات الوطنية والدولية بل فتح لها الباب واسعا لكن بذكاء وسيادة وطنية وقال لهم تعالوا ادعموا التعليم ولكن وفق خطة الوزارة واحتياجاتها الحقيقية وليس وفق أجندتكم الخاصة فجاءت منظمات اليونيسيف واليونسكو ومنظمة إنقاذ الطفولة والهلال الأحمر وعدد من المنظمات الوطنية فساهمت في توفير الكتاب المدرسي والإجلاس والزي المدرسي والوجبة المدرسية وتأهيل المدارس ودعم تعليم البنات وتوفير ألواح الطاقة الشمسية لمدارس الريف التي لا تصلها الكهرباء كما كان لها دور كبير في دعم التعليم في حالات الطوارئ وتوفير الدعم النفسي للأطفال المتأثرين بالحرب وإنشاء فصول بديلة في مناطق النازحين وهذه الشراكة الذكية بين الوزارة والمنظمات وفرت الكثير من الموارد وسدت الكثير من الثغرات.
وكان للمنظمات دور مقدر في دعم تعليم الفتيات في الريف حيث ساهمت في توفير الحمامات المنفصلة ومياه الشرب النظيفة وتوعية الأسر بأهمية تعليم البنات مما أدى إلى ارتفاع نسبة التحاق البنات بالمدارس بشكل ملحوظ وهذا إنجاز كبير يحسب للوزارة والمنظمات معا ويعكس اهتمام الوزارة بقضايا النوع الاجتماعي والعدالة التعليمية وحرصها على أن تكون الفرص متساوية للجميع.
واليوم ونحن نرى ما تحقق في شمال كردفان من استقرار تعليمي بفضل جهود هذا الرجل وحكومة الولاية فإننا نطلق نداء صادقا ومخلصا إلى السيد رئيس مجلس السيادة وإلى السيد رئيس مجلس الوزراء وإلى وزير التربية والتعليم الاتحادي نقول لهم إن ما دمرته الحرب في قطاع التعليم بشمال كردفان أكبر من إمكانيات الولاية وحدها فهناك عدد كبير من المدارس تحتاج إلى إعادة بناء كامل وهناك أعداد كبيرة من الطلاب يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي وهناك نقص حاد في المعامل والمختبرات والكتب والوسائل التعليمية لذلك لا بد من دعم مركزي كبير ولا بد من مشروع قومي لتعمير مدارس شمال كردفان ولا بد من دعم الأستاذ وليد محمد حسن حامد بميزانية خاصة لتعمير ما دمرته الحرب فالرجل أثبت أنه أهل للثقة وأنه قادر على تحويل كل جنيه إلى فصل دراسي وإلى كتاب وإلى مقعد وإلى سبورة وأنه لا يأكل المال العام ولا يبدده بل يحوله إلى إنجازات ملموسة على الأرض فادعموا شمال كردفان وادعموا تعليمها فتعليم شمال كردفان هو تعليم السودان كله وأمنها هو أمن السودان كله.
إن دعم مجلس السيادة ومجلس الوزراء لهذا الرجل ليس دعما لشخصه بل هو دعم لمستقبل التعليم في السودان كله فإذا نجحت تجربة شمال كردفان فإنها ستنتقل إلى دارفور وكردفان والشرق والشمال وستصبح نموذجا يحتذى به في كيفية إدارة التعليم في زمن الحرب وكيف يمكن تحويل المحنة إلى منحة وكيف يمكن للتعليم أن يكون هو صمام الأمان الحقيقي الذي يحمي المجتمع من الانهيار ويحمي الشباب من الانجراف نحو التطرف والجهل ويحمي الوطن من الضياع.
وفي الختام لا بد أن نقولها بكل فخر واعتزاز إن الأستاذ وليد محمد حسن حامد ليس مجرد وزير عابر بل هو حالة استثنائية ورجل يحمل هم وطني كبير ويمتاز بصفة نادرة في هذا الزمن الرديء وهي حبه الجارف للتعليم والعلم والطبشورة والسبورة هو رجل يحمل في جعبته هما تعليميا كبيرا لا ينام الليل وهو يفكر كيف يوفر كتابا لتلميذ في جبرة الشيخ وكيف يوفر معلمة لتلميذة في أم دم حاج أحمد وكيف يعيد تلميذا تسرب في غرب بارا وكيف ينير مدرسة في فيافي بارا البعيدة وهو أكثر ما يميزه اهتمامه العميق بالتعليم في القرى والفيافي والفرقان البعيدة فهو يقول دائما إن الخرطوم والأبيض فيها مدارس جيدة لكن التحدي الحقيقي هو في القرى والفيافي فهناك يوجد السودان الحقيقي وهناك يجب أن نذهب وهناك يجب أن نبني المستقبل.
لذلك نقولها للمرة الألف وبصوت عال يا سيادة والي شمال كردفان هذا الرجل كنز ثمين وهذا الرجل صمام أمان حقيقي وهذا الرجل هو الكرت الرابح في حكومتك فعض عليه بالنواجذ وحافظ عليه وادعمه بكل ما تملك من إمكانيات وسترون كيف تتحول شمال كردفان إلى قبلة للتعليم في السودان وكيف يصبح تعليمها نموذجا يحتذى به في كل الولايات فمثله قليل في هذا الزمن ومثل هذا الحب للتعليم نادر ومثل هذا الإخلاص عملة صعبة لا تفرطوا فيه.
نسأل الله أن يوفق الأستاذ وليد ويسدد خطاه ويجزيه خير الجزاء على ما قدم وما يقدم لتعليم شمال كردفان ولأبناء السودان وأن يجعل كل حرف علمه لطفل في ميزان حسناته وأن يبارك في جهوده ويجعلها خالصة لوجه الله وخدمة للوطن.
نواصل العدد القادم



